لقد كانت التكلفة الاقتصادية لأزمة فيروس كورونا وحرب أسعار النفط عالية للغاية بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فالاقتصاد السعودي يواجه تحديًا صعبًا للغاية وإذ لم تتمكن الحكومة من إدارة الأزمة بشكل جيد فمن المؤكد أن تكون النتائج كارثية على الاقتصاد السعودي الذي يقف حاليًا في مفترق الطرق.
تأثرت جميع الأنشطة الاقتصادية والخدمية والانتاجية في السعودية، كما تأثرت قيمة الريال السعودي في سوق الفوركس الأمر الذي أجبر الحكومة على اتخاذ العديد من الإجراءات التقشفية وضاعفت ضريبة القيمة المضافة ثلاث مرات، ضمن محاولاتها لدعم الاقتصاد المتعثر من تداعيات الفيروس وانهيار أسعار النفط.
ومؤخرًا أعلنت وزارة المالية السعودية عن تحويل نحو 40 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية لدعم استثمارات صندوق الاستثمار العام (وهو صندوق الثروة السيادي)خلال شهري مارس وأبريل، ليتعمقانخفاض الاحتياطيات الأجنبية التي سجلتفي مارس تراجعًا بقيمة 27 مليار دولار شهري مسجلة أسرع معدل انخفاض للاحتياطيات منذ 20 عام تقريبًا لتصل إلى حوالي 464.5 مليار دولار.
جاءت الأزمة الاقتصادية لجائحة فيروس كورونا وحرب أسعار النفط في وقت حرجللغاية بالنسبة للسعودية، التي كانت تحاول إعادة هيكلة اقتصادها المعتمد على الإيرادات النفطية وبدلًا من ذلك الاعتماد على إيرادات القطاع غير النفطي عن طريق تعزيز نمو القطاع الخاص، وحتى الآن فالحكومة لا تزال معتمدة على مبيعات النفط كجزء أساسي من إيراداتها، لذلك من المتوقع أن يتم السحب من الاحتياطيات الأجنبية لسد عجز الموازنة المتوقع 13% هذا العام بسبب أسعار النفط المتدنية واستمرار الوباء.
فيروس كورونا وتأثيره المزدوج
إن تفشي جائحة فيروس كورونا قضت على المصادر الرئيسية لإيراداتها المملكة العربية السعودية، فالنفط الذي يعد المصدر الأول لإيرادات المملكة خسر أكثر من نصف قيمته بسبب انهيار معدلات الطلب العالمية مع عمليات الإغلاق الصارمة وحرب الأسعار التي اشتعلت بين السعودية وروسيا على تعميق تخفيض مستويات الانتاج، لكن روسيا رفضت المشاركة لينهار تحالف أوبك بلس.
وترد السعودية برفع مستويات انتاجها وإغراق الأسواق بالنفط الرخيص في محاولة للاستحواذ على أكبر حصة سوقية لتصل أسعار النفط حينها لأقل من 20 دولار للبرميل، الأمر الذي هز أسواق الطاقة بشكل كبير.
ومع فرض الحكومة الحظر على السفر الدولي خسرت مصدرها الثاني للإيرادات الواردة من موسم الحج والعمرة، حيث تم إلغاء العمرة واقتصر الحج على المتواجدين في السعودية ضمن التدابير الاحترازية لاحتواء تفشي الفيروس.
توقعات متشائمة
أدي ذلك إلى حدوث عجز في ميزانية أكبر مصدر للنفط في العالم بقيمة 9 مليار دولار في الربع الأول من هذا العام نتيجة انهيار أسعار النفط، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يتسع عجز الميزانية بما يقرب من 13% من اجمالي الناتج المحلي لهذا العام.
ويتوقع الخبراء حدوث ركود للاقتصاد السعودي غير النفطي لأول مرة منذ أكثر من 30 عام، في نفس الوقت الذي يتعرض فيه النفط لهزة قوية، حيث ستؤثر إجراءات الإغلاق وتراجع معدلات الانفاق الحكومي على الأرباح وسترتفع حالات التخلف عن سداد القروض.

تسهيلات نقدية
أجبر الوباء دول العالم على تقييد السفر الدولي وإغلاق الاقتصاديات، ومن أجل تقليص التبعات الاقتصادية السلبية على الدول قامت جميع البنوك المركزية الكبرى بتدابير تحفيزية واسعة، وقدمت الحكومات حزم تحفيزية داعمة للاقتصاد بهدف تجنب الركود الاقتصادي.
كانت المملكة العربية السعودية سباقة في اتخاذ تلك الإجراءات لمساعدة اقتصادها ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وخطط الاستثمار والعمل على تقليص المخاطر التي تهدده، كما لجأت إلى إجراءات تقشفية قاسية وضاعفت ضريبة القيمة المضافة ثلاث مرات.
أعلنت مؤسسة النقد العربي السعودي عن تمويلها لصندوق الثروة السيادي بقيمة 40 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية خلال شهري مارس وأبريل لشراء موجة من الأسهم الدولية للاستفادة من الاضطرابات التي تشهدها الأسواق العالمية، وقالت المؤسسة أنها لا تتوقع انخفاضًا كبيرًا في الاحتياطيات الأجنبية وأن المستويات الحالية لا تزال جيدة.
وقال وزير المالية السعودي “محمد الجدعان” أن الهدف من هذا التمويل تنويع وتعزيز الاستثمارات التي ستعززمعدلات نمو الاقتصاد وزيادة العوائد على الأصول السعودية وخلق القيمة، كما سيقلص من الأضرار الاقتصادية التي سببتها جائحة فيروس كورونا.
وأضاف الجدعان أن السعودية شهدت تدفقات أجنبية كبيرة منذ بداية هذا العام إلا أن تحويل نحو 40 مليار دولار للصندوق السيادي نتج عنه تراجع في إجمالي الاحتياطيات الأجنبية.
تقدر أصول الصندوق السيادي بأكثر من 300 مليار دولار، فلديه استثمارات في الكثير من الشركات المحلية والدولية مثل شركة أوبر تكنولوجيز وشركة لوسيد موتورز للسيارات الكهربائية، ويتطلع مدير الصندوق للبحث عن فرص جديدة للاستثمار في شركات الطيران والنفط والغاز وشركات التكنولوجيا.
يقول الخبراء الاقتصاديين أنهبالرغم من تراجع الاحتياطيات إلا أن مستوياتها الحالية لا تدعو للقلقخاصة وأن مستويات الدين لا تزال منخفضة، لكن من المحتمل أن يرتفع بشكل حاد هذا العام والعالم المقبل،ولكن ذلك سيعتمد على متوسط أسعار النفط الآجلة.
أفاد مسؤول بوزارة المالية إن الصندوق يمتلك سيولة عالية من الريال في محفظته والعائدات التي نتجت عن الاكتتاب العام الأولي لشركة أرامكو العملاقة، وقال أنه لا يزال محافظًا على نهجه في استثماراته المحلية ضمن برنامج رؤية 2030 التي تهدف إلى تنويع الاستثمارات غير النفطية.
مخاوف من تراجع قيمة الريال
من جهة أخرى، يري مصرفيون إن تراجع الاحتياطيات الأجنبية يفتح الباب لمزيد من المدفوعات ويزيد من مستوي المخاوف خاصة وأن أسعار النفط لا تزال منخفضة وفيروس كورونا مستمر، ويعتقدون أن استراتيجية الصندوق السيادي لشراء الأسهم العالمية بما في ذلك الصناعات التي تضررت بشدة مثل السفر والترفيه هي مخاطرة كبيرة.
إن التحويل الهائل للاحتياطيات الأجنبية في وقت قصير قد يثير الدهشة والتساؤلات، فالاحتياطيات مهمة بالنسبة للريال السعودي الذي يرتبط قيمته بالدولار الأمريكي، وبالتالي فإن نقصها سيؤثر على قيمة الريال عن طريق كسر ربط العملة، وقيمة الاحتياطيات الحالية تشير إلى أنها لا تزال في المستوى الآمن، ولكن من الضروري أن تكون السعودية لديها القدرة على تغطية وارداتها لعدة أشهر مقبلة.






