تراجع الذهب بقوة بعد خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في جاكسون هول، بعدما جاءت تصريحاته أكثر تشددًا من توقعات الأسواق، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير احتمالات رفع الفائدة الأمريكية في سبتمبر.
وجاء خطاب وارش في تمام الساعة 10:00 صباحًا بتوقيت نيويورك، أي الخامسة مساءً بتوقيت عمّان، في أول خطاب رئيسي له منذ توليه منصبه في مايو. وأكد خلاله أن الظروف المالية لا تبدو تقييدية، مشيرًا إلى أن التحسن الأخير في بيانات الأسعار لم يكن كافيًا لإقناعه بأن مسار التضخم يتحسن بالسرعة المطلوبة.
وشدد وارش على ضرورة التأكد من أن التضخم الأساسي يتجه بوضوح وسرعة كافيين نحو مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، مؤكدًا أن هذا الهدف ثابت وغير قابل للتفاوض، وإلا فإن البنك المركزي لا يزال أمامه مزيد من العمل.
إعادة تسعير حادة لتوقعات الفائدة
عقب الخطاب مباشرة، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة 25 نقطة أساس في اجتماع سبتمبر من نحو 35% إلى قرابة 50%، فيما أظهرت بعض القراءات ارتفاعها إلى 57% مقارنة مع 33% قبل تصريحات وارش.
كما صعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بأكثر من 6 نقاط أساس إلى 4.298%، بينما تراجع عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى 5.168%، واستقر عائد السندات لأجل 10 سنوات تقريبًا عند 4.676%.
الدولار يرتفع والذهب يتراجع
استفاد الدولار الأمريكي من التحول المفاجئ في توقعات السياسة النقدية، إذ ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.46% إلى 99.57 بعد أن سجل 99.592، في حين تراجع اليورو بنسبة مماثلة إلى 1.1597 دولار.
في المقابل، تعرض الذهب لضغوط بيعية قوية، وانخفض بما يصل إلى 1.2% بعدما كان يتداول صباحًا قرب 4,608 دولارات للأونصة، مرتفعًا بنحو 0.41%.
لماذا تعرض الذهب لضغط أكبر؟
يرتبط الضغط على الذهب بعاملين رئيسيين. الأول يتمثل في ارتفاع العوائد، الذي يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يدر عائدًا، إلى جانب تأثير ارتفاع الدولار على أسعار الذهب بالنسبة للمشترين بالعملات الأخرى.
لكن العامل الأهم يرتبط بطبيعة الصعود الأخير للذهب، الذي لم يكن قائمًا بصورة أساسية على توقعات خفض الفائدة، وإنما على مخاوف مرتبطة بتراجع قيمة الدولار وارتفاع الطلب على الذهب كتحوط من مخاطر تآكل قيمة العملة.
وكان الذهب قد صعد إلى أعلى مستوياته منذ منتصف مايو وسط مخاوف بشأن تدهور قيمة الدولار، بالتزامن مع تحركات وزارة الخزانة الأمريكية المتعلقة بزيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
وارش يغلق باب تيسير السياسة النقدية
كانت الأسواق تراهن جزئيًا على احتمال أن يتعامل الاحتياطي الفيدرالي بمرونة أكبر مع ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، أو أن يكون هناك نوع من التنسيق غير المباشر مع وزارة الخزانة للحد من ضغوط التمويل.
لكن تصريحات وارش قدمت رسالة أكثر وضوحًا بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي والتزامه باستقرار الأسعار، ما أدى إلى ارتفاع الدولار وتغيير توقعات العوائد، وبالتالي زيادة الضغوط على الذهب.
ولهذا السبب جاءت حركة الذهب أكبر من أن تُفسر فقط بارتفاع عائد السندات لأجل عامين بنحو 6 نقاط أساس، إذ إن إعادة التسعير شملت أيضًا جزءًا من العلاوة المرتبطة بتوقعات التيسير النقدي.
لماذا ارتفع الدولار بهذه القوة؟
تعززت قوة الدولار نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية، أبرزها اتساع فارق توقعات أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة والاقتصادات الكبرى.
فقد انتقلت الأسواق خلال دقائق من سيناريو استقرار السياسة النقدية الأمريكية إلى احتمال رفع الفائدة، في الوقت الذي لا تُسعّر فيه الأسواق سوى احتمال محدود لرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة في سبتمبر، ما وسّع الفارق المتوقع لصالح العملة الأمريكية.
كما عكست حركة منحنى العائد تغيرًا في توقعات المستثمرين؛ إذ ارتفعت العوائد قصيرة الأجل بينما تراجعت العوائد طويلة الأجل، في إشارة إلى تسطيح منحنى العائد نتيجة تزايد الثقة في استعداد الاحتياطي الفيدرالي للتشدد إذا تطلب الأمر ذلك.
ويضاف إلى ذلك تراجع الرهانات على سيناريو يسمح بتسييل الدين أو احتواء عوائد السندات طويلة الأجل، وهو عامل كان يمثل ضغطًا إضافيًا على الدولار خلال الفترة الماضية.
الأسواق تترقب بيانات التضخم والوظائف
ورغم قوة رد فعل الأسواق، لا تزال هناك شكوك بشأن إمكانية تنفيذ رفع الفائدة فعليًا في سبتمبر، خصوصًا مع استمرار بعض المتعاملين في الاعتقاد بأن وارش قد يكون أقرب إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبالتالي، قد تكون الحركة الحالية قابلة للانعكاس جزئيًا إذا جاءت بيانات التضخم أو الوظائف الأمريكية خلال سبتمبر أضعف من المتوقع.
كما ستمنح عطلة نهاية الأسبوع المستثمرين فرصة لاستيعاب تصريحات وارش وإعادة تقييم مراكزهم، ما يعني أن افتتاح الأسواق الأسبوع المقبل قد يشهد تعديلًا جديدًا في توقعات الفائدة والدولار والذهب.






